الشيخ السبحاني
88
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
وفي آية أخرى يفسّر حقيقة الشّرك ب « اعتقاد ألوهية المعبود » وذلك في قوله سبحانه : أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ « 1 » . فجعل ملاك الشّرك الاعتقاد بألوهية غير اللّه والمراد من الشّرك هنا ، الشّرك في العبادة . فبهذه الآيات ونظائرها يتجلى بوضوح تام أنّ شركهم كان بسبب اعتقادهم ألوهية معبوداتهم وبسبب هذا الاعتقاد كانوا يعبدونها ويقدمون لها النذور والقرابين وغير ذلك من التقاليد والسنن العبادية . وبما أنّ كلمة التّوحيد تهدم عقيدتهم بألوهية غير اللّه سبحانه ، كانوا يستكبرون عند سماعها كما قال عزّ وجل : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ « 2 » أي يرفضون ما قيل لهم ، لأنهم يعتقدون بألوهية معبوداتهم أيضا ، ويعبدونها لأنها آلهة بحسب تصورهم . ولأجل هذه العقيدة السخيفة كانوا إذا دعي اللّه وحده كفروا به ، وإذا أشرك به آمنوا كما قال سبحانه : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ « 3 » . وأما الأمر الثاني : فيدل عليه الآيات التي تأمر بعبادة اللّه وتنهى عن عبادة غيره ، مدلّلة ذلك بأنّه لا إله إلا اللّه كقوله سبحانه وتعالى : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ « 4 » ومعنى ذلك أنّ الذي يستحق العبادة هو من كان إلها ، وليس هو إلّا اللّه . وعندئذ فكيف تعبدون ما ليس بإله . وكيف تتركون عبادة اللّه وهو الإله الذي يجب أن يعبد دون سواه ؟ وفي هذا المضمون وردت آيات كثيرة أخرى « 5 » .
--> ( 1 ) سورة الطور : الآية 43 . ( 2 ) سورة الصافات : الآية 35 . ( 3 ) سورة غافر : الآية 12 . ( 4 ) سورة الأعراف : الآية 59 . ( 5 ) قد ورد هذا المضمون في عشرة موارد أو أكثر في القرآن الحكيم ويمكن للقارئ الكريم أن يراجع لذلك الآيات التالية الأعراف / 65 و 73 و 85 ، هود / 50 و 61 و 84 ، الأنبياء / 25 ، المؤمنون / 23 و 22 ، طه / 14 .